الراغب الأصفهاني
423
الذريعة إلى مكارم الشريعة
الأسباب التي يمكن نسبة الفعل إليها أكثر الأسباب التي يحتاج إليها الفعل في وجوده عشرة أشياء : يحتاج في حصوله إلى فاعل يصدر عنه الفعل كالنجار ، وإلى عنصر يعمل فيه كالخشب ، وإلى عمل كالنجر ، وإلى زمان ، وإلى مكان ، يعمل فيهما ، وإلى آلة يعمل بها كالمنجر والمنحت ، وإلى غرض قريب كاتخاذ النجار الباب ، وإلى غرض بعيد كتحصين البيت به ، وإلى مثال يعمل عليه ويحتذي به ، وإلى مرشد يرشده . وكل ذلك قد ينسب إليه الفعل فيقول أعطاني زيد إذا باشر الإعطاء ، وأعطاني اللّه لما كان هو الميسر له ، وربما جمع بين السبب القريب والبعيد ، فيقول أعطاني اللّه وزيد . قال الشاعر : حبانا بها جدنا والإله * وضرب لنا أجذم صارم فنسب إلى السبب الأول وهو اللّه تعالى ، وإلى السبب المتأخر وهو الضرب ، وإلى المتوسط وهو الجد ، وقال تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها « 1 » وقال : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ « 2 » ، فأسند الفعل في الأول إلى الآمر به ، وفي الثاني إلى المباشر له . وقد قال الشاعر في صفة درع . وألبسنيه الهالكي . وقال كساهم محرق ، فنسب الفعل إلى عاملها ، وفي الثاني إلى مستعملها . وقال في صفة نبا له : كستها ريشها مضرحية ، فنسب كسوتها إلى الطائر الذي اتخذ ريشه فجعل لها . وقد قيل يداك أوكتا ، وفوك نفخ ، فنسب الفعل إلى الآلة المتصلة . ويقال سيف قاطع فنسب الفعل إلى الآلة المنفصلة . وقيل ضرب فيصل
--> ( 1 ) الزمر / 42 . ( 2 ) السجدة / 11 .